تلك النوافذ التي تتسع لي بالجلوس | عماد  محرم

في كل صباح، قبل أن يتنفس الفجر، كنت أذهب إليها. على أنفاس الصباح الأولى، حين يكون الندى ما يزال معلقًا بأوراق الأشجار، وحين تكون الأرض باردة تحت قدميَّ الحافيتين، كنت أطرق بابها الحديدي الثقيل. كانت جدتي سعود تبدأ يومها مبكرًا؛ تنزل إلى الأرض، تحفر بأصابعها في التراب، وتزرع. كنت أجلس إلى جوارها، أراقب يديها المتجعدتين وهما تعملان بحب، كأنها لا تزرع الأرض فحسب، بل تزرع فيها شيئًا من قلبها. وقبيل المغرب، حين تبدأ الشمس في التودد إلى الأفق، وتميل الألوان إلى الذهبي، كنت أنتظرها عند الباب. تدخل البيت، ونتسابق إليها. كنت أنام في حضنها، ورأسي على صدرها، وأصابعها تتخلل شعري وتداعب خصلاته الخفيفة. كانت تحدث أمي بصوت هادئ، وكان ذلك الحديث وقودي إلى النوم؛ تهويدة لا تحتاج إلى لحن، لأن اللحن كان في وجودها نفسه. كنت أغفو وأنا أشعر بأمان لا يشبهه شيء.

في قريتها اليمنية، في ذلك البيت المتواضع الذي كان مختلفًا عن بيوت الجيران، لا أدري أكانت عيناي هما من تجملانه، أم أن الواقع كان أجمل فعلًا. كانت هناك نوافذ صغيرة من الألومنيوم؛ لم تكن نوافذ فرنسية فاخرة، لكنها كانت تتسع لي بالجلوس. كنت أجلس عليها وأطل على الحقول، وعلى الجبال البعيدة، وعلى الغروب الذي كان يبدو لي أجمل من أي غروب في العالم. لم أكن أعرف يومها أن الأشياء التي تبدو عادية في طفولتنا قد تصبح، بعد سنوات، أكثر الأشياء قداسة في ذاكرتنا. لم أكن أعرف أن تلك النافذة الصغيرة ستتحول يومًا إلى باب آخر للحنين، وأنني سأظل أبحث فيها عن طفل كنت أظنه جزءًا من الماضي، فإذا به ما يزال جالسًا هناك، ينتظر.

مرت أكثر من خمس سنوات منذ آخر مرة دخلت فيها ذلك البيت. ما يزال هناك، في القرية المقابلة لبيتنا، تفصلنا عنه الجبال والوديان. أراه أحيانًا من بعيد؛ أرى سقفه الذي كان يحمينا من المطر، وبابه الحديدي الذي كان يفتح لي كل صباح، وأرى النوافذ التي كنت أجلس عليها. لكنني أتوقف تحت البيت ولا أصعد. أبقى هناك، كتمثال نسيه الزمن. لا أعرف متى تحول الصعود إلى عجز، ومتى أصبحت المسافة القصيرة بين الأرض والباب أثقل من أن أقطعها. كل ما أعرفه أنني، منذ رحيلها، لم أستطع أن أعبر تلك العتبة.

في ذلك اليوم، كنت على سطح بيتنا، غارقًا في شاشة هاتفي، منفيًا في تلك البيروقراطية الرقمية التي تعزلنا عن العالم الحقيقي، حين شقت الفضاء أول صرخة للنساء من قريتها المقابلة. نزلت الصرخة على روحي دفعة واحدة. لم أستطع أن أنهض في البداية؛ تسمّرت في مكاني، وكأن شيئًا في داخلي كان يعرف قبل أن أعرف. ترجمت الصرخة في رأسي إلى يقين قاسٍ: لقد انهار عمود البيت. نزلت من السطح ومشيت باتجاه قريتها، وكانت خطواتي ثقيلة، كأنني أحمل كل حجارة اليمن على كتفي. وصلت إلى أسفل البيت وتوقفت. كانت النساء يبكين، والرجال متجمعين، والباب مفتوحًا على مصراعيه، لكنني لم أستطع الدخول. بقيت هناك، تحت البيت، أرفع عيني إلى النوافذ وأحاول أن أستوعب أن جدتي لم تعد هناك. لم أستطع. كيف يمكن أن تموت من كانت الحياة تنبض منها؟ كيف يمكن أن يتوقف ذلك القلب الذي كان يخفق لأجلي؟ وكيف يمكن أن تغيب تلك الشمس التي كانت تشرق في حياتي كل صباح؟

ومنذ ذلك اليوم، لم أدخل بيتها. أخاف أن أصعد، وأخاف أن أفتح الباب فلا أجدها. أخاف من تلك الغرفة التي كانت تفوح برائحتها؛ رائحة الأرض والطحين والحليب والعطر القديم. أخاف أن أنظر إلى النوافذ التي كانت تتسع لي بالجلوس، فلا أجد سوى زجاج مغبر وألمنيوم بارد. وأخاف أكثر من أن أرى سريرها؛ ذلك السرير البسيط الذي كنت أنام فيه طفلًا، وأكتشف أنه لم يعد ينتظر أحدًا. فالفراغ في سرير الجدة ليس فراغًا عاديًا. إنه غياب له وزن، مكان كان يمتلئ بصوتها ودعواتها ودفء جسدها، ثم أصبح فجأة عاجزًا عن احتضان أي شيء. وكلما مرت السنوات، بدا لي ذلك الفراغ أعمق؛ لا تملؤه الدموع، ولا الكلمات، ولا كثرة الحديث عنها، لأن بعض الغياب لا يُملأ، وبعض الغياب يتحول مع الوقت إلى جزء من الإنسان نفسه.

لذلك، حين أتوقف تحت بيتها ولا أدخل، قد يبدو الأمر هروبًا من الفقد، لكنه في الحقيقة شيء أكثر تعقيدًا. ربما أخاف أن أجتاز العتبة فأجد الحقيقة كاملة. ما دمت في الخارج، وما دمت لا أفتح الباب، تستطيع ذاكرتي أن تتركها هناك؛ في الغرفة، قرب النافذة، تنتظرني كما كانت تفعل كل صباح. تراقبني وأنا أصل إلى البيت، ثم تناديني. أستطيع أن أبقي الباب مفتوحًا في خيالي، وأن أتركها حيّة في المكان الذي لم تمسسه الحقيقة. أما الدخول، فيعني أن أرى السرير فارغًا، وأن أرى الغرفة من دونها، وأن أرى البيت وقد عاد إلى حجارة وجدران وسقف. وهذا أكثر ما أخشاه: أن أكتشف أن المكان الذي ظل حيًا في داخلي كل هذه السنوات لم يكن المكان نفسه، بل هي.

ربما لهذا لا أستطيع الدخول. أنا لا أخاف البيت، بل أخاف أن أدخل إليه فلا أجد جدتي، فأضطر للمرة الأولى إلى الاعتراف بأن البيت فقد سره. فالبيت لم يكن جميلًا لأن جدرانه جميلة، ولا لأن نوافذه كانت واسعة، ولا لأن حقوله كانت تمتد أمامها؛ كان جميلًا لأنها كانت هناك. كانت يداها في التراب، وصوتها في المساء، ورائحتها في الغرفة، وحضنها مكانًا آخر للعالم. وحين رحلت، لم يتغير البيت وحده؛ تغيرت الأشياء كلها من حوله. لم تعد النافذة نافذة، ولا السرير سريرًا، ولا الباب ذلك الباب الذي كنت أطرقه كل صباح. كل شيء بقي في مكانه، إلا المعنى.

رحلت سعود، وبقيت صورتها في داخلي؛ ملاذًا لا أستطيع لمسه، وجرحًا أخشى أن يندمل، لأنني أعرف أن بعض الجراح ليست دليلًا على أننا لم نتعافَ، بل دليل على أننا أحببنا ذات يوم حبًا نقيًا إلى درجة أن غيابه ترك مكانًا لا يشبه أي مكان آخر. وما زالت نافذتها هناك. أراها من بعيد، وأتخيل طفلًا صغيرًا يجلس عليها، يطل على الحقول والجبال، وينتظر الغروب، وينتظر أن تخرج جدته من الباب. وربما، في مكان ما داخلي، ما زلت ذلك الطفل. ما زلت أجلس عند النافذة، وما زلت أنتظرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى