من يحكم من؟ اسرائيل وأمريكا، عندما يدير الظل العالم |عماد محرم

​لطالما جلستُ أستمع إلى نقاشات الناس العادية، في المقاهي أو على وسائل  التواصل الاجتماعي، وهم يتجادلون حول السياسة العالمية. الغالبية العظمى تنظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية على أنها الإمبراطورية التي تحرك العالم كقطع الشطرنج، وأن إسرائيل ليست سوى “قاعدة عسكرية” متقدمة أو أداة طيّعة في يد واشنطن لحماية مصالحها في الشرق الأوسط. لكن، كلما تعمقتَ في قراءة المشهد وتأملت التفاصيل الغريبة التي لا تتوافق مع المنطق السياسي التقليدي، يتسرب إليك استغراب . تبدأ الفكرة بالظهور في رأسك: ماذا لو كانت الآية معكوسة؟ ماذا لو كان ما يُتداول بين الناس هو مجرد قشرة سطحية، وما خلف الستار أعظم وأكثر تعقيداً؟

​هنا تظهر إشكالية السلطة في أبشع صورها؛ فالسلطة الحقيقية لا تحب الأضواء، بل تفضل أن تعمل     في العتمة، تاركة الواجهة لمن يحبون استعراض القوة. إنها لعبة “المركز والهامش”، حيث يتحول المركز (أمريكا) إلى مجرد واجهة تنفيذية تخدم رؤية الهامش (إسرائيل)، والذي نجح بدوره في التغلغل  في شرايين النظام الديمقراطي ذاته ليوجهه من الداخل. ​الفرضية هنا لم تعد مجرد “خيال مؤامرات” يُروى في الغرف المغلقة، بل هي تساؤل مشروع يطرحه حتى كبار الأكاديميين في أمريكا: هل إسرائيل هي من تسيطر على القرار الأمريكي؟

 ​ دعونا نُعرّف هذه “السيطرة”. نحن لا نتحدث عن احتلال عسكري أو سيطرة على الموارد بالشكل التقليدي، بل نتحدث عن “هندسة القرار”. إنها القدرة على توجيه السياسة الخارجية، والاقتصادية، وحتى العسكرية لقوة عظمى، بحيث تخدم بالدرجة الأولى مصالح دولة أخرى صغيرة جغرافياً، حتى لو كان ذلك على حساب القوة العظمى نفسها. ​هذه “الفكرة” ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج عقود من العمل المؤسسي الدقيق، حيث تم تفكيك آليات اتخاذ القرار في واشنطن وإعادة تركيبها لتصبح حساسة تجاه مصالح طرف واحد فقط. إنها عملية غسيل دماغ سياسي ممنهج، تجعل من الخضوع يبدو وكأنه خيار استراتيجي حر.

​ الأرقام والأحداث.. كيف تُدار اللعبة؟  ​دعونا نبتعد قليلاً عن المصطلحات السياسية المعقدة والرسمية، كيف يمكن لدولة صغيرة أن تُملي شروطها على أقوى دولة في العالم؟

​ الضيف الذي كسر باب البيت الأبيض

تخيل أنك صاحب بيت كبير، ويقوم أحد أفراد عائلتك بدعوة شخص غريب إلى صالة منزلك ليقف ويشتم طريقتك في إدارة البيت، وأنت آخر من يعلم! هذا بالضبط ما حدث في عام 2015. الرئيس الأمريكي باراك أوباما كان في ذروة مفاوضاته للوصول إلى الاتفاق النووي مع إيران، وهو مشروع اعتبره إنجازاً تاريخياً لأمريكا. فجأة، وبدون أي تنسيق مع أوباما (صاحب البيت)، قام رئيس مجلس النواب الأمريكي جون بينر بدعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليلقي خطاباً داخل الكونغرس.

وقف نتنياهو هناك، وسط تصفيق حار ومبالغ فيه من المشرعين الأمريكيين، ليهاجم سياسة رئيسهم أوباما علناً. في العرف الدبلوماسي، هذا إعلان صريح بأن رئيس وزراء إسرائيل يمتلك سلطة ونفوذاً داخل البرلمان الأمريكي يفوق سلطة رئيس الولايات المتحدة نفسه. ​هذا المشهد لم يكن مجرد إهانة دبلوماسية، بل كان استعراضاً مسرحياً للقوة نتنياهو أراد أن يرسل رسالة عميقة للداخل الأمريكي تحديد مفادها: “البيت الأبيض لا يملك الكلمة الفصل، الكلمة هنا لمن يملك مفاتيح الكونغرس”. هذا الاختراق يكسر هيبة الرئاسة، ويجعل أي رئيس قادم يفكر ألف مرة قبل أن يضع نفسه في مواجهة علنية مشابهة، خوفاً من الإذلال السياسي.

​أيباك”.. الصندوق الأسود 

في أمريكا، لا يمكنك أن تنجح في الانتخابات بالنية الحسنة فقط؛ أنت تحتاج إلى ملايين الدولارات لحملتك الانتخابية. وهنا يبرز اسم “أيباك” (AIPAC)، وهو أقوى لوبي (جماعة ضغط) داعم لإسرائيل في أمريكا.

​القاعدة: انتقد أمريكا كما تشاء، لكن إياك أن تنتقد إسرائيل.​ في عام 1991، حاول الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب تأخير ضمانات قروض بقيمة 10 مليارات دولار لإسرائيل للضغط عليها لوقف بناء المستوطنات. ماذا حدث؟ حشد اللوبي الإسرائيلي ألف شخص للضغط على الكونغرس ضده. حينها خرج بوش الأب في مؤتمر صحفي شهير وقال جملته البائسة: “أنا مجرد رجل واحد وحيد، أقف في مواجهة ألف من جماعات الضغط”. تخيل! رئيس أقوى دولة في العالم يشتكي من قلة حيلته أمام اللوبي.

​ أي سياسي أمريكي يجرؤ على التغريد خارج السرب، مثل عضوات الكونغرس إلهان عمر أو رشيدة طليب، أو حتى سياسيين مخضرمين، يتم ضخ ملايين الدولارات للمرشحين المنافسين لهم لإسقاطهم في الانتخابات التالية.​هذا اللوبي لم يعد يعمل كجهة خارجية تطلب الدعم، بل أصبح “حارس بوابة” حقيقياً للنظام السياسي. لقد حوّلوا الدعم المطلق لإسرائيل من مجرد “موقف سياسي” إلى “عقيدة لا تُمس. السياسيون في واشنطن لا يدعمون إسرائيل خوفاً من خسارة الانتخابات فحسب، بل لأن بنية النظام بأكملها تمت برمجتها لتجعل من هذا الخضوع المسار الوحيد للنجاة السياسية.

الدعم الذي لا ينقطع..

بالعقل والمنطق، عندما تُعطي أحداً مصروفاً أو دعماً مالياً ضخماً، فإنك تفرض عليه شروطك. أمريكا تقدم لإسرائيل أكثر من 3.8 مليار دولار سنوياً كمساعدات عسكرية (وهذا الرقم يتضاعف وقت الأزمات).لكن العجيب هنا هو أن أمريكا تعلن رسمياً مراراً وتكراراً: “نحن ضد بناء المستوطنات”، ومع ذلك، تستمر إسرائيل في البناء، ويستمر الشيك الأمريكي بالوصول في موعده! في العلاقات الدولية، المُعطي هو من يفرض شروطه على المتلقي، إلا في هذه الحالة المقلوبة، المتلقي هو من يفعل ما يشاء والمعطي يكتفي بالتوقيع.

​هذا الشيك المفتوح يتجاوز فكرة المساعدة ليصبح بمثابة “جزية عصرية” تُدفع طواعية. إنه يعكس خللاً بنيوياً، حيث تم دمج المصلحة الإسرائيلية داخل المصلحة الأمريكية بطريقة يستحيل معها الفصل. أصبح صانع القرار الأمريكي مبرمجاً على اعتبار أن أمن تل أبيب هو حرفياً أمن واشنطن، متجاهلاً التكلفة الاستراتيجية والأخلاقية الباهظة لهذا التطابق الوهمي.

​” الفيتو”.. عندما تحرق أمريكا نفسها

في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تمتلك أمريكا حق “الفيتو” الذي يلغي أي قرار دولي. على مدار عقود، استخدمت أمريكا هذا الحق عشرات المرات لحماية إسرائيل من أي عقوبات أو حتى بيانات إدانة بسيطة. الأمر وصل إلى أن أمريكا تقف وحيدة في العالم (ضد 14 دولة في مجلس الأمن، بمن فيهم حلفاؤها المقربون مثل بريطانيا وفرنسا) فقط لترفع يدها وتقول “لا” لأي قرار يزعج إسرائيل. تضحية أمريكا بصورتها كدولة تدعو لحقوق الإنسان والديمقراطية من أجل حماية أخطاء دولة أخرى، هو دليل صارخ على أن الأمر أكبر من فيتو​استخدام الفيتو هنا ليس مجرد حماية حليف، بل هو “تعطيل متعمد” لمنظومة العدالة الدولية. أمريكا تقوم بانتحار أخلاقي علني على مذبح الأمم المتحدة. هذا التناقض الصارخ يُسقط القناع عن النظام العالمي بأكمله، ليُثبت أن القانون الدولي صُمم ليُطبق على الضعفاء فقط، بينما الأقوياء – ومن يتحكم بهم من الظل – يقفون فوق أي محاسبة.

​. حروب لا تخدم إلا طرفاً واحدا

في عام 2006، أصدر اثنان من كبار أساتذة العلوم السياسية في أمريكا (جون ميرشايمر وستيفن والت) دراسة زلزلت الأوساط الأكاديمية بعنوان “اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية”. الخلاصة التي وصلا إليها هي أن أمريكا تورطت في الشرق الأوسط بشكل يضر بمصالحها هي، ولكنه يخدم إسرائيل. مثال غزو العراق (2003): المحللين والعالم يرون أن العراق لم يكن يشكل تهديداً حقيقياً لأمريكا، لكنه كان يشكل تهديداً استراتيجياً لإسرائيل. الدفع المحموم نحو الحرب كان مدعوماً بشدة من المحافظين الجدد في واشنطن، الذين تربطهم علاقات وثيقة بالرؤية الإسرائيلية.

​ أمريكا كدولة براغماتية كان يمكنها الوصول إلى تفاهمات اقتصادية وسياسية مع إيران، لكن الضغط الهائل جعل إيران العدو رقم واحد لأمريكا هو في الأساس أجندة إسرائيلية بحتة.​هذه الحروب بالوكالة تعكس أقصى درجات الاستلاب الاستراتيجي. الجنود أمريكيون، والتمويل أمريكي، والتبعات الكارثية تقع على عاتق الاقتصاد والمجتمع الأمريكي، بينما المستفيد الأوحد يراقب من بعيد. لقد نجحت إسرائيل في تصدير مخاوفها الوجودية لتصبح مخاوف أمريكية صرفة، محولة الآلة العسكرية الأضخم في التاريخ إلى مجرد مقاول أمني ينفذ حروباً وقائية نيابة عنها.

​ما الذي ينقص هذه الصورة لتكتمل؟

هناك أبعاد أخرى مرعبة في قوتها تساهم في إحكام هذه القبضة:

​البعد الديني (الصوت الإنجيلي): في أمريكا، هناك أكثر من 40 مليون مسيحي إنجيلي (المسيحية الصهيونية). هؤلاء يعتقدون دينياً وعقائدياً أن دعم إسرائيل هو أمر إلهي ويمهد لعودة المسيح. هؤلاء ليسوا لوبي يملك المال فقط، بل هم “كتلة انتخابية” ضخمة. أي رئيس أمريكي جمهوري يعلم يقيناً أنه لن يشم رائحة البيت الأبيض إذا لم يرضِ هذا الجمهور العريض عبر الانحياز الأعمى لإسرائيل. (هذا المزج المرعب بين “اللاهوت” و”السياسة” يخلق غطاءً قدسياً لقرارات دموية. عندما يتحول الصراع الجيوسياسي إلى نبوءة دينية يجب تحقيقها، يتعطل المنطق، وتصبح أي محاولة للنقاش العقلاني بمثابة كفر بالمقدسات).

​السيطرة التكنولوجية والأمنية: إسرائيل ليست مجرد متلقٍ للمال، بل هي مصدر لتقنيات التجسس والأمن السيبراني (مثل برنامج بيغاسوس). التداخل بين وادي السليكون في أمريكا وشركات التقنية الإسرائيلية جعل من فك الارتباط بينهما أمراً شبه مستحيل، مما يمنح إسرائيل أوراق ضغط أمنية ومعلوماتية لا تُقدر بثمن. (في عصر الرقمنة، التغلغل التقني الإسرائيلي في البنية التحتية للأمن الغربي يجعل من الانفصال مخاطرة كارثية. إنها سيطرة ناعمة ولكنها تضمن

بقاء الحليف الأكبر تحت المراقبة والاعتماد المطلق).

 لعقود طويلة، تواجدت كوادر مؤيدة بشدة للرواية الإسرائيلية في كبرى وسائل الإعلام الأمريكية وصناعة السينما في هوليوود. هذا التواجد صنع رأياً عاماً أمريكياً يرى العالم بعيون إسرائيلية، مما جعل مهمة أي سياسي يحاول تغيير البوصلة أشبه بالانتحار السياسي. (هنا يبرز الدور الأخطر لحملات العلاقات العامة وصياغة الإدراك الجماهيري. السيطرة على السردية تعني السيطرة على العقل الباطن للمجتمع. تمت هندسة الخطاب إعلامياً وثقافياً لتصوير الجلاد كضحية مهددة، والضحية كإرهابي متوحش، مما يجعل المواطن الأمريكي يتبنى موقفاً داعماً للجلاد دون أن يدرك حتى أنه تم توجيه وعيه بالكامل).

​في النهاية، عندما تجمع كل هذه الخيوط: رئيس وزراء يهين رئيساً أمريكياً في عقر داره ويُقابل بالتصفيق، ولوبي يطيح بأي سياسي متمرد، وشيكات مفتوحة لا تتوقف، وفيتو جاهز دائماً، وقاعدة دينية ضخمة متعصبة… تجد أن فكرة “إسرائيل تسيطر على أمريكا” لم تعد مجرد خيال مؤامرات يرويه رجل عجوز في مقهى، بل هي تحليل جيوسياسي واقعي مدعوم بالأدلة والأرقام، يثبت أن الذيل أحياناً.. يمكنه بالفعل أن يهز الكلب! ​وفي هذا المشهد القاتم، ندرك أن القوة العظمى ليست تلك التي تملك أكبر ترسانة نووية، بل تلك التي تمتلك القدرة على صياغة الاحداث، وتطويع إرادة الآخرين ليقاتلوا بشراسة دفاعاً عن قيودهم، وهم يظنون واهمين أنها حريتهم. المعركة الحقيقية لم تكن يوماً على الأرض فقط؛ بل هي معركة على الوعي، ومن يحكم الوعي.. يحكم العالم.

بواسطة: منطق المعنى

عماد محرم

___________________

الآراء الواردة في النص تمثل وجهة نظر الكاتب فقط

 

من يحكم العالم؟

أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ

المصدر
منطق المعنى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى