الإلياذة والأوديسة، الرجل الذي أراد أن يصبح خالدًا، والرجل الذي أراد أن يعود |عماد محرم

يُولد الإنسان ولا يعلم أن الموت ينتظره عند منعطفٍ ما. يفتح عينيه فيُخيل إليه أن هذا العالم لن يزول، وأن أيامه نهرٌ لا يصبُّ في بحر، وأن الغد سيأتي كما أتى الأمس، محمَّلًا بالضوء نفسه والحرارة نفسها. يكبر جسده، وتتسع شهواته، ويبني بيته، ويزرع حديقته، ويتخذ زوجة، وينجب أبناء، ويظن أن هذا النسيج الممتد من الأيام سيبقى ممدودًا إلى غير نهاية.

وفي صباحٍ لا يتوقعه، في لحظةٍ لا يختارها، يصطدم بالحقيقة العارية التي كان يدفنها في قاع روحه: كلُّ ما كان سينهارُ ذاتَ يوم. الجسد الذي ظننته حصنًا سينقضُّ، والبيت الذي شيدته سيخلو منك، والاسم الذي حملته سيُلفظ للمرة الأخيرة، ثم يغيب في بحر النسيان كحجرٍ يُلقى في ماءٍ راكد.

في تلك اللحظة التي يدرك فيها الفناء، لا يعود الإنسان كما كان. يتصدع عالمه، وتنسحب منه اليقينيات المطلقة، ويبقى سؤالٌ يتكرّر في أعماقه، يئنّ في صدره، يطارده في يقظته ومنامه: كيف يعيش من يعلم أن أيامه معدودة؟ كيف يبني من يعلم أن بنائه سينهار؟ كيف يحب من يعلم أن كلَّ حبٍّ ينتهي بفراقٍ أو موت؟

أمام هذا السؤال، تنفتح طريقان اثنان، لا ثالث لهما في البدء، وإن كانت الحياة كلها محاولةً لا تنتهي للجمع بينهما. الطريق الأول: أن يثور الإنسان رافضًا التلاشي، صارخًا في وجه العدم: “سأجعل اسمي أطول من جسدي، سأنحت في صخر الزمن ما لا تمحوه الأمطار، سأكتب فعلي على جبين التاريخ فلا يمحى”. والطريق الثاني: أن يقبل بهشاشته، وينكفئ على ذاته قائلًا: “لعلَّ الخلود ليس في أن يذكرني الآخرون، بل في أن أعيش حياتي نفسها كأنها أبدية، في أن أحبَّ كأنني لن أفارق، في أن أزرع كأنني سأحصد، في أن أعطي كأنني لن أفتقر”.

في هذه المسافة الشاسعة بين الجسد الذي يفنى، والاسم الذي يقاوم النسيان، والمعنى الذي نبتكره لتحمّل الاثنين معًا، وُلدت أعظم استجابتين بشريتين لسؤال الموت. لم يكن هوميروس يكتب عن آلهةٍ تتصارع في قمة أوليمبوس، ولا عن وحوشٍ تسكن قاع البحر، ولا عن حروبٍ تُحرق المدن وتُنهب البيوت؛ كان يكتب، في الحقيقة، سيرةَ الروح الإنسانية في أولى تجلياتها، كان يوثق لحظةَ وعي الإنسان بفنائه، ومحاولاته اليائسة والجميلة لتجاوز هذا الفناء.

نحن لا نقرأ هنا قصتين منفصلتين، ولا سيرتين لرجلين مختلفين عاشا في زمنين متباعدين. نحن نتأمّل وجهين لوعي واحد، مرحلتين من مراحل الروح البشرية التي لا تزال، حتى اليوم، تتردّد بينهما. الأول، أخيل، وقف أمام الموت فلم يرضَ، وحاول أن يهزمه بأن يصير ذكرى، بأن يتحوّل إلى صوتٍ يتردّد في الأزقة، إلى اسمٍ يُنادى به في المجالس، إلى فعلٍ يُحكى عنه للأطفال قبل النوم. والثاني، أوديسيوس، لم يبحث عن الخلود أصلاً، بل عن شيء أكثر تواضعًا وأشدَّ قسوة: أن يعود إلى بيته، إلى امرأته، إلى ابنه، إلى كلبٍ يهرول نحوه، إلى سريرٍ منحوتٍ من جذع شجرة، ولا يفقد نفسه في الطريق.

ليس أخيل مجرّد فارسٍ يلوح بسيفه في ساحات طروادة، ولا مجرّد جنديٍّ شجاعٍ يقتل ويُقتل في زحام المعارك. إنه روحٌ تتمزَّق بين القوة التي لا تنازل فيها، والمستقبل الذي لا يُملك. يده على السيف، وعيناه على القبر الذي يراه، يعرفه، يعلم أن اسمه منحوتٌ عليه قبل أن يُولد. وضعته الأقدار أمام خيار لا رحمة فيه، خيار قاسٍ كحدّ السيف: إمّا حياة طويلة هادئة، بيضاء كالصفحة الفارغة، تنتهي بالنسيان التام، وكأنها لم تكن؛ وإمّا حياة قصيرة مشتعلة، تضيء كالشهاب في ليل دامس، وتمنحه مجدًا لا يموت، ولكنها تلتهم شبابه وعمره وأحلامه التي لم تكتمل.

وهنا يبرز السؤال: لماذا كان أخيل مستعدًّا أن يقايض نبض قلبه، ودفء جسده، وصحبة رفاقه، وضحكات أصدقائه، ومشاهدة ولده يكبر، ودفء امرأته في ليالي الشتاء، بذاكرة باردة في عقول الآخرين؟ لماذا كان الخلود الذائع، ذلك الذي لا يجيء إلا بعد الموت، أغلى عنده من الحياة نفسها؟

ليس الجواب بسيطًا، وليس أخيل مجنونًا أو مغرورًا كما قد يظنّ البعض. إنه يبحث عمّا أسماه الإغريق “كليوس”: ذلك المجد الذي يجعل الاسم خالدًا، والمأثرة التي تتردّد على ألسنة الأجيال بعد أن يستحيل الجسد إلى تراب، بعد أن تنهار المدن وتجفّ البحار ويأتي قومٌ آخرون لا يعرفون أخيلَ إلا من خلال الحكايات التي ستُروى عنه. “كليوس” ليس شهرة عابرة، ليست ظهورًا في الإعلام ولا تغريداتٍ تنتشر ثم تُمحى. إنه الخلود في ذاكرة الجماعة، أن يصير الإنسان جزءًا من وجدان قومه، أن يُذكر اسمه في الشعر، أن يُغنى بفعله في الأغاني، أن يُنحت تمثاله في الساحات، وأن يبقى حيًّا في الحلقوم ما دامت الحناجر تنطق، وما دامت القبائل تتوارث الحكايات.

السؤال هنا يطرق أبوابنا اليوم كما طرق خيام اليونانيين قديمًا، بل إنه اليوم أشدّ إلحاحًا. أخيل يختبئ في الكاتب الذي يرتجف خوفًا من أن تُنسى كتبه، في الفنان الذي ينحت الصخر ويضرب الفرشاة ويحرق أصابعه ليلاً ليرسم لوحةً تبقى، في السياسي الذي يلهث خلف صفحات التاريخ ويصلب صوره على جدران المدن، وفي الإنسان المعاصر الذي يستميت ليصنع لنفسه صورةً لا تموت، في مواقع التواصل، في الصور الفوتوغرافية، في الكتب التي يكتبها عن سيرته، في المنشورات التي يتركها خلفه كأنها آثار أقدام على رمال الزمن. كلهم يشتركون في رعب واحد لا يبوحون به، يخفونه تحت طبقات من الصخب والانشغال: الخوف من أن يعبروا هذه الحياة وكأنهم لم يكونوا، من أن يموتوا مرتين، مرة في الجسد، ومرة في الذاكرة.

ربما لم يكن أخيل يخاف الموت بذاته، بقدر ما كان يخاف ذلك الموت العادي، الموت الصغير، الموت الذي لا يترك خلفه سوى حفرةٍ صغيرةٍ في الأرض، وشاهد قبرٍ يُمحى اسمه بعد جيلين، وذاكرةٍ قصيرةٍ في رأس شخصٍ آخر قد ينساه هو الآخر بعد سنوات. ربما كان يفضل أن يموت موتةً عظيمة، أن يسقط في ساحة المعركة، وجهه إلى السماء، سيفه في يده، واسمه على شفاه الآلاف، على أن يموت في فراشه، شيخًا هرمًا، لا يعرفه أحد، ولا يذكر أحدٌ ما فعل.

ومن هنا، من هذا الخوف المقدس، من هذا التوق إلى الخلود، تولد المأساة الحقيقية. تبدأ الإلياذة بكلمة واحدة، كلمةٌ صغيرةٌ لكنها تصنع كونًا كاملًا، هي “الغضب”. لم يفتتح هوميروس ملحمته بسؤال عن المنتصر والمهزوم، ولا عن الملك الذي انتصر والملك الذي انهزم، ولا عن العدالة الإلهية التي تحكم مصائر البشر. افتتحها بسؤال أعمق، سؤالٍ عن النفس البشرية في أضعف لحظاتها وأكثرها خطرًا: ماذا يصنع الجرح في روح الإنسان حين يُترك بلا دواء؟ ماذا يفعل الألم حين يُكبت ولا يُعبَّر عنه؟ ماذا يحدث حين يُجرح الكبرياء، ذلك الجدار الواهي الذي نبني حوله هويتنا كلها؟

حين سُلبت كرامة أخيل، حين انتُزعت منه “بريسيس”، تلك الجارية التي كانت غنيمته من الحرب، لم يكن يغضب لأنه فقد امرأة، كان يغضب لأنه فقد الاعتراف، لأنه شعر أن مجده قد انتُقص، أن مكانته في نظر الآخرين قد تهتزت، أن “كليوس” الذي بناه بدمه وعرقه قد طُعن في ظهره. أحسَّ أن العالم كله يتآمر عليه، وأن الآلهة التي وعَدَتْه بالخلود قد خانه، وأن رفاقه الذين قاتل معهم لم يقفوا معه. فتحوّل ذلك الجرح الصغير، ذلك الشعور بالإهانة، إلى نار، إلى غضبٍ أعمى لا يعرف حدودًا، إلى حقدٍ يتغذى على نفسه، فأحرق مدينة بأكملها، وأغرق جيوشًا في بحر من الدم، وأسقط أبطالًا كبارًا، وجعل من هيكتور، ذلك الرجل النبيل الذي لم يفعل شيئًا لأخيل، جثةً تٌجرُّ خلف عربة في التراب أمام أعين أهله وأحبابه.

الغضب، الكبرياء، الإهانة، الرغبة المحمومة في الاعتراف، كلها تجعلنا نتساءل: أيبحث الإنسان عن العدالة حقًّا، أم أنه يريد فقط أن يرى العالم يتألم بالطريقة التي تألم بها؟ هل يكفينا أن نُنتَصَف، أم أننا نريد أن نرى الذين آذونا يتألمون أضعاف ما تألمنا؟

الحروب الكبرى في التاريخ، كما تخبرنا الإلياذة، قد تبدأ من جرح صغير في روح إنسان كبير، من شعور بالاهانة لم يُردّ، من كبرياء مجروح لم يُجبَر، من رغبة في الانتقام لم تُشبع. يتحوّل الألم الشخصي إلى تاريخ دامٍ، وتُحرق المدن لأن قلبًا واحدًا اشتعل.

في خضم هذا الغضب الأعمى، في وسط هذه النار التي لا تهدأ، وبينما تتكدس الجثث وتختنق الأرض برائحة الدم، وتصرخ الأمهات وتبكي الأرامل، تصل الإلياذة إلى ذروتها الفلسفية العميقة، ليس في ساحة معركة، ولا على أسوار طروادة، بل في خيمة هادئة ليلاً، تحت ضوء قمرٍ بارد، في مشهدٍ لا يشبه أي مشهد في الملحمة كلها.

الملك بريام، العجوز المكسور، أبو هيكتور، ملك طروادة التي تحترق، ينزع تاجه، ويخلع ثياب الملك، ويلبس ثياب الفقراء، ويتسلل وحيدًا خائفًا مرتعدًا إلى خيمة قاتل ابنه، أخيل. يمشي بين الحراس الذين قد يقتلونه في أي لحظة، يسأل عن الرجل الذي قتل فلذة كبده، ثم يقف أمامه، هذا الشاب القوي الغاضب، ويبكي. يبكي بريام، ويقبّل اليدين اللتين سفكتا دم ولده، ويرجوه أن يُعيد إليه جسد هيكتور ليدفنه، ليمسح دموع زوجته أندروماخي، ليقيم له مأتمًا يليق بملك طروادة.

في تلك اللحظة، تلك اللحظة التي لا تتكرر إلا في قلوب المفجوعين، تتهاوى كل الألقاب، وتتبخر كل الهويات المصطنعة، ويسقط كل ما بنته الحرب من جدران بين البشر. يرى أخيل، للمرة الأولى، في بريام ليس ملك العدو، ولا قائد الجيش الذي حاربه، ولا والد قاتل صديقه “باتروكلوس”، بل أبًا مفجوعًا يشبه أباه “بيليوس” الذي لن يراه مجددًا، والذي سيموت قريبًا وهو ينتظر عودة ابنه الذي لن يعود. ويرى بريام في أخيل ليس قاتل ابنه، ولا وحشًا دمويًا، ولا عدوًا لا يرحم، بل شابًا فانيًا، ابنًا محتملًا للموت، إنسانًا سيلقى هو الآخر، قريبًا، نفس مصير هيكتور، نفس القبر، نفس النسيان.

في تلك الليلة، هناك لحظة صمت، لحظة ينظر فيها الاثنان إلى بعضهما، ويعرفان الحقيقة الكبرى: كلاهما سيموت. كلاهما سيفقد كلَّ شيء. كلاهما ليس أكثر من إنسانين خائفين يحاولان أن يجدوا معنى في هذه المسمى حياة. يبكيان معًا، القاتل ووالد المقتول، على هشاشة الجسد البشري، على عبثية الحرب، على عدم جدوى كل هذا القتل والدماء.

لم يهزم بريام أخيل بالقوة، ولا أخيل بريام بالسيف. الحزن فعل ما عجزت عنه كل المعارك: أزال المسافة التي صنعتها الكراهية، وكشف الوجه الإنساني تحت كل الدروع والخوذات. الحرب تقوم على تجريد الآخر من إنسانيته، على جعله “عدوًّا”، على نزع اسمه وقلبه ليصبح قتله ممكنًا، مقبولاً، بل بطوليًّا. لكن الحزن المشترك، الدمع المشترك، الخوف المشترك من الموت والفقد، يعيد للآخر وجهه الحقيقي، ويجعل المستحيل ممكنًا: أن يرى القاتل في ضحيته أخًا، وأن يرى المكلوم في مكلِّمه إنسانًا.

ولذلك تبقى هذه اللحظة، هذه الليلة الهادئة في خيمة أخيل، واحدة من أعمق لحظات المصالحة في الأدب القديم، بل في الأدب الإنساني كله، لحظةً تذكرنا أن الحرب، أيَّ حرب، تقوم على كذبة كبرى، هي أن الآخر ليس مثلنا، وأن دمه ليس كدمنا، وأن فقده ليس كفقدنا. وكأن هوميروس يقول لنا من بعيد: لا تنتصروا على أعدائكم، بل ابكوا معهم، ففي البكاء ما يمحو كل الحدود.

وحين ننتقل من الإلياذة إلى الأوديسة، ننتقل من عالم إلى عالم آخر، من فضاء إلى فضاء مختلف تمامًا. في الإلياذة مدينة تحترق، وفي الأوديسة رجل يحاول العودة. الإلياذة ملحمة الموت والسؤال الذي لا يهدأ: كيف أموت موتةً تستحق أن تُذكر؟ والأوديسة ملحمة الطريق والسؤال المضني الذي لا ينتهي: كيف أعود من كل هذا الضياع، كيف أجد طريقي إلى بيتي وإلى نفسي؟

هنا ننتقل من “كليوس”، مجد الذاكرة الجماعية، إلى “نوستوس”، العودة إلى الوطن والذات. لم يعد البطل هو ذلك الفارس الذي يقتحم الصفوف، ويضرب بالسيف، ويبحث عن الموت المجيد، بل هو الإنسان الذي يقاوم تفكيك هويته قطعةً قطعة، الذي يحاول ألا يضيع في رحلاته الطويلة، الذي يشق عباب البحر ليس ليقتل أو يُقتل، بل ليصل، ليعانق، ليبكي، ليعود.

أوديسيوس يُسلَب منه كل شيء في هذه الرحلة. البحر يسلبه رفاقه واحدًا تلو الآخر، الغرق، الوحوش، الجوع، اليأس. الوحوش تسلبه أمانه، تجعله يعيش في خوف دائم، في ترقبٍ لا ينتهي للموت. والنسيان، أخطر الأعداء جميعًا، يسلبه غايته، يجعله ينسى من هو ولماذا هو هنا. كلّ محطة في رحلته هي محاولةٌ لانتزاع هويته، لمحو اسمه، لتحويله إلى إنسانٍ آخر، إلى رجلٍ لا يعرف من أين أتى ولا إلى أين يذهب.

ومعضلة أوديسيوس الكبرى ليست في الوصول الجغرافي إلى إيثاكا، تلك الجزيرة الصخرية في البحر الأيوني. معضلته الحقيقية هي العودة الروحية، هي أن يصل إلى بيته وهو ما زال يعرف من يكون، هو أن يحافظ على ذاته خلال كل هذه التحولات، هو أن يعود إلى بينيلوبي كما كان، لا كغريبٍ يقف على بابها. إذا ابتعد الإنسان عن نفسه طويلًا، إذا ضاع في الطريق سنواتٍ وسنوات، إذا تغيّر وانكسر وتحوّل، هل يستطيع أن يعود إلى نفسه الأولى؟ هل تستطيع الروح أن تجد طريقها إلى البيت القديم بعد أن هدمتها الرياح؟

يعود أوديسيوس بعد عشرين عامًا، عشرون عامًا من الحرب والضياع، عشرون عامًا من النوم في خيام الغرباء، من الأكل مع وحوش البحر، من النزول إلى عالم الموتى نفسه ليتحدث مع أرواح الراحلين. يعود، لكن الزوجة تغيّرت، كبرت، نحِلت، تعبت من الانتظار. والابن تغيّر، لم يعد طفلًا يلعب في الفناء، بل شابًّا يدفع الخاطبين عن أمه. والوطن تغيّر، الكلب الذي كان يهرول نحوه كل صباح أصبح عجوزًا أعمى، والخدم تغيّروا، والجيران تغيّروا، وحتى منزله لم يعد كما تركه. وهو نفسه، أوديسيوس، تغيّر أكثر من كل هؤلاء، حفرت الحرب والرحلة أخاديدها في روحه، وشيَّبت رأسه، وأنهكت جسده، وجعلته رجلًا آخر.

لا أحد يعود إلى المكان نفسه، لأن المكان نفسه لم يعد موجودًا، ولأن العائد نفسه لم يعد هو الإنسان الذي غادره. هذه هي المفارقة الكبرى، هذه هي المأساة التي لا يبوح بها أوديسيوس لأحد، لكنها حاضرة في كل خطوة يخطوها على أرض إيثاكا. يعود، لكنه يعود غريبًا في وطنه، يعود ولا يعرفه أحد، حتى هو لا يعرف نفسه.

في بحر الأوديسة الشاسع، في مائه المالح الذي يمدّ إلى الأفق، لا تكمن الخطورة الحقيقية في الغرق. الغرق قد يكون راحة، نهاية سريعة لكل هذا العناء. الخطورة الحقيقية هي في محو الذات، في أن يضيع الإنسان في البحر فلا يعود يعرف من هو، في أن ينسى اسمه وبيته وأهله ويصبح مجرّد روحٍ تائهةٍ فوق الماء.

تظهر في الأوديسة شخصياتٌ ومحطاتٌ تطرح هذا السؤال المخيف. “أكلة اللوتس”، أولئك الذين يأكلون ثمر النسيان، فيصبحون سعداء، هادئين، راضين، لكنهم لا يذكرون من هم، ولا من أحبوا، ولا إلى أين كانوا ذاهبين. يأكلون اللوتس فينسون بيوتهم، ينسون أبناءهم، ينسون زوجاتهم، ينسون كل ما كان يشكل هويتهم. يغدو النسيان نعمة لهم، وراحةً من عناء الذاكرة، لكنه في الحقيقة موت آخر، موت للروح قبل الجسد.

وهناك محطات أخرى، سيرسي التي تحوّل الرجال إلى خنازير، لا لأنها شريرة، بل لأنها تمنحهم راحة من عناء الإنسانية، من التفكير والألم والمسؤولية. أن تكون خنزيرًا أسهل من أن تكون إنسانًا، أسهل من أن تحمل ذكرى بيت بعيد، وزوجة تنتظر، وابنًا يكبر دونك. التحوّل إلى حيوان ليس عقابًا، بل إغراء، إغراء التوقف عن أن تكون إنسانًا، عن أن تكون ذلك الكائن المعقّد الذي يحمل في صدره كل هذا الألم.

تطرح هذه المحطات وغيرها سؤالاً وجوديًّا مرعبًا: ماذا لو كان أكبر خطر يهدد الإنسان ليس الموت نفسه، بل أن ينسى من يكون، أن يفقد هويته، أن يضيع في بحر الحياة فلا يعرف إلى أين يمضي ولا من أين أتى؟ ماذا لو كانت رحلة أوديسيوس كلها، عشرون عامًا من المعاناة، ليست رحلة عودة إلى بيت، بل رحلة هروب من هذا النسيان، صراعٌ يائس للحفاظ على الذات في عالمٍ يحاول باستمرار أن يمحوها؟

يتحوّل البحر هنا، إلى شخصية لا تقل أهمية عن أوديسيوس نفسه. ليس مجرد ماءٍ مالح، ولا مجرد مسافة جغرافية، بل هو الفاصلة بين الإنسان ونفسه، بين ما كان وما صار، بين الحلم الذي غادره والواقع الذي يعود إليه. البيت هو الهوية، والطريق هو التجربة، والنسيان هو فقدان الذات، والعودة هي استعادة المعنى، هي محاولة إعادة تركيب الذات بعد أن تفتّتت.

تصل هذه الفلسفة، فلسفة الذات والضياع والعودة، إلى ذروتها، إلى لحظتها الأكثر إضاءة وغموضًا، في جزيرة الحورية كاليبسو. هناك، في تلك الجزيرة الجميلة التي يكسوها العشب الأخضر وتغرد فيها الطيور وتتدفق فيها الينابيع، تعرض كاليبسو على أوديسيوس ما لا يستطيع أي إنسان أن يرفضه في الظاهر: الخلود التام، شبابًا لا يذبل، حياةً لا تنتهي، جسدًا لا يمرض، وقلبًا لا يهرم. كل ما عليه أن يفعله هو أن يبقى، أن ينسى، أن يتوقف عن المحاولة، أن يقبل أن يكون خالدًا، أن يقبل أن يكون إلهًا صغيرًا في جزيرةٍ نائية، بعيدًا عن كل آلام البشر.

لكن الخلود هنا، وهذا هو السرّ العميق الذي تكتشفه الأوديسة، ليس نعمة، بل فخّ، فخّ من أجمل الفخاخ، فخّ مكسوّ بالورود والأغاني والخلود. خلود كاليبسو ليس خلود الحياة الممتلئة، ليس خلود الفعل والمعنى، إنه خلود العقيم، خلود الراكد، خلود البركة التي لا تتدفق، خلود الصورة التي لا تتحرّك. فيه لا ألم، نعم، لكن فيه لا شيخوخة، وفيه لا فقد، وفيه لا حنين، وفيه لا انتظار. وفيه، بالتالي، لا معنى.

لأن المعنى الإنساني، أي معنى، يقوم على الهشاشة، على أن كل شيء يمكن أن ينتهي في أي لحظة. الحبّ جميل لأنه قد يفنى، الحياة ثمينة لأنها قصيرة، اللقاء مؤثّر لأن الوداع قريب. في عالم لا موت فيه، لا حياة حقيقية. في عالم لا تغيير فيه، لا نمو. في عالم لا فقد فيه، لا حب.

لهذا يرفض أوديسيوس هذا الإغراء الإلهي، يرفع عينيه عن جمال كاليبسو وعن خلودها، وينظر إلى البحر البعيد حيث تنتظره إيثاكا، حيث تنتظره بينيلوبي، حيث ينتظره الموت نفسه. يختار العودة إلى الزمن الإنساني، إلى الجسم الذي يهرم كل صباح، إلى القلب الذي يتعب وينكسر، إلى الألم الذي لا ينتهي. يختار أن يشيخ، وأن يموت، وأن يفقد أحباءه، لأن هذه الهشاشة تحديدًا هي ما يجعله إنسانًا، لأن الموت وحده هو الذي يمنح الحياة معناه، لأن الخلود دون نهاية هو موت آخر، أبطأ وأقسى.

أخيل، في الإلياذة، قبل الموت المبكر من أجل خلود الذاكرة، من أجل أن يبقى اسمه حيًّا في زمن البشر. أوديسيوس، في الأوديسة، رفض الخلود الإلهي من أجل العودة إلى حياته البشرية الفانية، اختار أن يكون إنسانًا يموت على أن يكون إلهًا لا يشيخ. كلاهما، في قرارتهما العميقة، كانا يبحثان عن شيء واحد: أن تكون حياتهما ذات معنى. لكن أحدهما وجد المعنى في أن يُذكر بعد الموت، والآخر وجده في أن يعيش حياته قبل الموت.

لا يمكن قراءة هذه السيرة البشرية، هذه الرحلة الطويلة للروح الإنسانية بين المجد والعودة، دون التوقف طويلاً أمام وجوه النساء اللواتي شكلن أعمدتها، ودون أن نرى كيف كان حضورهنّ شرطًا لقيام هذه الملاحم كلها.

هيلين، تلك المرأة التي أشعلت الحرب بجمالها، هي شرارة الرغبة التي أحرقت العالم، هي السؤال الذي لا يجيب عنه أحد: هل يستحق جمال امرأة واحدة أن تحترق من أجله مدن؟ لكنها أيضًا، ليست سبب الحرب بقدر ما هي ذريعتها، لأن الحرب كانت ستجد سببًا آخر، وكان الرجال سيقتلون بعضهم لأي شيء. أندروماخي، زوجة هيكتور، هي صوت الفجيعة الذي يدرك عبثية الحرب، صوت المرأة التي تعرف أن كل هذا الدم لن يعيد أحدًا، وأن الانتصار العسكري لا يمحو الخسارة الشخصية. سيرسي وكاليبسو، الساحرتان والحوريتان، تمثلان إغراء التوقف، إغراء نسيان الطريق والانغماس في المتعة والخلود، إغراء التخلي عن الإنسانية لقاء راحةٍ كاذبة.

لكن بينيلوبي، وحدها، تقف في مركز الأوديسة كمعادل موضوعي لأوديسيوس نفسه، كالوجه الآخر للرحلة، كالمرآة التي تعكس صورته الحقيقية. إذا كان أوديسيوس يقطع عباب البحر، ويواجه الوحوش، وينزل إلى عالم الموتى، لكي يعود، فإن بينيلوبي تعيش في الجانب الآخر أهوال الانتظار، لكي تُبقي وجهة العودة قائمة، لكي تحافظ على البيت محتضنًا لفراش الزوجية، لكي تمنع الضياع من أن يلتهم الذاكرة.

هو يخوض مغامرة المكان، يقاوم الأمواج والعواصف والعمالقة والسحر. وهي تخوض مغامرة الزمن، مغامرة أقسى وأكثر عزلة، مقاومةً اليأس الذي يأتي مع كل شروق لا يطلّ منه أوديسيوس، مقاومة النسيان الذي يحاول أن يمحو ملامحه من قلبها، مقاومة الرجال الطامعين المئة الذين يحاصرون بيتها، يريدونها زوجةً لهم، يريدون أن يقسموا ملكها، يريدون أن يمحوا ذكرى الغائب.

قصة بينيلوبي، تلك التي تغزل كفنًا في النهار وتنقضه في الليل، هي استعارة عميقة للانتظار الإنساني، للولاء الذي لا يرى، للصبر الذي لا يُكافأ إلا في النهاية. تغزل لتوهم الخاطبين أنها ستختار واحدًا منهم، وتنقض لتؤجل هذا الاختيار إلى ما لا نهاية، لأن اختيارها الحقيقي هو أوديسيوس، ولن تختار غيره، حتى لو استغرق الانتظار عشرين عامًا، وحتى لو لم يعد أبدًا. كفنها الذي لا ينتهي هو حبها الذي لا ينتهي، وحيلتها الليلية هي شجاعتها التي لا تُرى.

ربما لم تكن الأوديسة يومًا قصة رجل يعود إلى زوجته وحسب، ولا قصة مغامرات في بحر مليء بالوحوش. ربما كانت، في العمق، قصة امرأة غزلت ونسجت الزمن، تحوك أملها في النهار وتنقضه في الليل، لتحافظ على احتمال العودة حيًّا في عالم مهدد بالضياع، لتجعل من البيت، ذلك المكان الصغير، مقاومةً ضد البحر كله، ضد النسيان كله، ضد كل ما يحاول أن يمحو وجود من نحب.

طوال هذا المسار الممتد، من ساحات طروادة المحترقة إلى بحار أوديسيوس العاتية، من خيمة أخيل المعتمة إلى قصر بينيلوبي المزدحم بالخاطبين، تظل الآلهة تحوم فوق الرؤوس، تتدخل، توجه، تغيّر المسارات، ترسل الأحلام، تمنع الرياح، تطلق العواصف. هي حاضرة في كل مشهد، في كل قرار، في كل انتصار وهزيمة. لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا، الذي لم تجب عنه الملاحم هو: أين تبدأ إرادة الإنسان، وأين ينتهي القدر؟

أخيل يعرف مصيره المحتوم، يعرف أنه سيموت شابًّا في طروادة، يعرف أن أيامه معدودة، وأن عودته إلى بيته مستحيلة. ومع ذلك، يتحرك، يقاتل، يختار، يغضب، يرحم، يبكي. أوديسيوس لا يعرف كيف ستنتهي رحلته، لكنه يرفض الخلود، ويصر على العودة، ويواجه كل ما يواجهه بدهائه وشجاعته وإرادته الصلبة. كلاهما، في ملحمتيهما، يتصرفان كأنهما أحرار، كأن اختياراتهما تصنع الفرق، كأن حياتهما بين يديهما.

وهنا تكمن المفارقة، المفارقة التي تجعل من أبطال هوميروس نموذجًا إنسانيًّا خالدًا: معرفة المصير، أو الجهل به، لا تلغي حرية الاختيار، بل تجعل هذا الاختيار أكثر مأساوية ونبلًا. لأن الإنسان، حين يعرف أنه سيموت غدًا، وحين يختار مع ذلك أن يقاتل اليوم، أن يحب اليوم، أن يغضب اليوم، أن يرحم اليوم، يكون قد انتصر بطريقته، يكون قد جعل من حياته شيئًا يخصه.

إذا كنت تعرف أنك مهزومٌ وميتٌ في النهاية، إذا كنت تعلم أن كل ما تفعله سيُطوى معك في القبر، فهل تصبح أفعالك بلا معنى؟ يجيبنا أبطال هوميروس: لا. بل العكس هو الصحيح. قيمة الفعل الإنساني لا تكمن في انتصاره النهائي، لأن النهائي دائمًا هو الموت والفناء. قيمة الفعل تكمن في الطريقة التي يختار بها الإنسان أن يمضي نحو حتفه، في الكرامة التي يواجه بها ما لا مفر منه، في الأسلوب الذي يصنع به معناه الخاص وسط الكون ومآسيه.

أخيل يختار الموت المجيد، لا لأنه سيغير شيئًا في النهاية، بل لأنه سيجعل من موته موتةً مختلفة، موتةً تحكى، موتةً تبقى. أوديسيوس يختار العودة، لا لأنه سيبقى في إيثاكا إلى الأبد، بل لأنه سيكون قد عاش حياته هو، وليس حياةً أخرى فرضتها عليه الظروف. هذا هو معنى الحرية في عالم تحكمه الآلهة: ليست القدرة على تغيير النتيجة، بل القدرة على اختيار كيفية مواجهتها.

وهنا، في نهاية هذا الطريق الطويل، في خاتمة هذه الرحلة، نصل إلى قلب المفارقة البشرية، إلى السؤال الذي لا جواب نهائيًا له.

هناك فرقٌ غامضٌ ، فرقٌ دقيق لكنه يغيّر كل شيء، بين أن يريد الإنسان أن يُذكَر بعد موته، وأن يريد أن يعود إلى بيته قبل موته. الأول ينظر إلى ما بعد حياته، إلى ما سيحدث حين يغيب جسده، إلى الأثر الذي سيتركه في ذاكرة الآخرين. والثاني ينظر إلى ما تبقى له من عمر، إلى الأيام التي ما زالت بين يديه، إلى المكان الذي ينتظره والأشخاص الذين يشتاقون إليه.

أخيل يسأل العالم، يسأل التاريخ، يسأل الأجيال القادمة: “هل ستتذكرونني؟ هل ستحكون عني؟ هل سيبقى اسمي على شفاهكم بعد أن أموت؟” هو يريد أن يكون سؤالاً في ذاكرة البشر، أن يكون علامةً في مسيرتهم، أن يكون أسطورةً لا تموت. وأوديسيوس يسأل نفسه، في هدوء البحر وفي عواصفه: “هل ما زال هناك مكان أستطيع أن أعود إليه؟ هل ما زالت هناك امرأة تنتظرني؟ هل ما زال هناك بيت يحمل اسمي؟ هل ما زلتُ أنا، بعد كل هذا، شخصًا يمكنه أن يعود؟”

إنها المواجهة الأبدية، المواجهة التي لا تنتهي، بين المجد والانتماء. أخيل يريد أن يكون اسمه أكبر من عمره، أن يتجاوز جسده، أن يطير إلى حيث لا تصل الأقدام. وأوديسيوس يريد أن يكون عمره الحقيقي، عمره الذي يعيشه لا الذي يُحكى عنه، بين من يحبهم، أكبر من سنوات الحرب والضياع، يريد أن يعوض كل السنوات التي سرقتها منه الرحلة.

وهذا يطرح علينا، نحن الذين نقرأ هذه الملاحم بعد آلاف السنين، سؤالاً ، سؤالاً يخص كل واحد منا في صميم حياته: هل نريد أن يذكرنا العالم، أم نريد أن يحبنا أحد؟ هل نبحث عن مكانٍ في كتب التاريخ، أم عن مكانٍ في قلوب الناس الذين نعرفهم؟ هل نريد أن نكون أسطورة، أم أن نكون إنسانًا؟

الشهرة، المجد، الخلود في الذاكرة الجماعية، كلها تمنحك ذاكرة الآخرين، تمنحك خلودًا باردًا في كتب التاريخ، في التماثيل، في الأغاني، في الكتب المدرسية. لكنها لا تمنحك دفء الحضن، ولا نظرة العين التي تعرفك، ولا الصوت الذي يناديك باسمك الحقيقي، ولا الفراش الذي ينتظرك كل ليلة. البيت، العودة، الانتماء، يمنحك اعتراف الآخر بك كما أنت، لا كما أصبحت أسطورة، يمنحك أن تكون شخصًا وليس رمزًا.

وهنا تتجلى أهمية بينيلوبي مرة أخرى، في هذا السياق، تتجلى كشاهد على الحقيقة التي تغيب عن الأبطال الذكور. العالم كلّه قد يعرف أوديسيوس كبطل حرب طروادة، والرجل الذي هزم السيكلوب، والذي نزل إلى عالم الموتى، والذي رفض خلود كاليبسو. لكن بينيلوبي لا تنتظر هذا البطل الأسطوري. إنها تنتظر زوجها، الرجل الذي كان يشاركها سريرها، الذي يضحك معها، الذي يبكي معها، الذي عرفت منه كل شيء، لا ما يقوله عنه الآخرون. هي تنتظره باعتباره الإنسان الذي يحمل اسمها في قلبه، لا باعتباره الاسم الذي يحمله التاريخ.

العالم يريد أسطورتك، يريد قصتك المذهلة، يريد ما يبهره ويذهله. البيت، العائلة، الحب، يريدون إنسانك، يريدونك أنت، بكل عيوبك وهشاشتك، بكل تعبك ويومياتك، بكل ما لا يصلح لأن يكون أسطورة. المجد يجعل الإنسان خالدًا، لكنه قد يجعله غريبًا عن نفسه، قد يسلبه إنسانيته، قد يحوّله إلى تمثال من برونز لا يشعر ولا يتألم. والعودة، من جهة أخرى، تجعله إنسانًا، لكنها لا تحميه من الفناء، لا تمنحه الخلود، لا تجعل اسمه يبقى في ذاكرة الأجيال.

هذه هي المفارقة التي يتمزق فيها البشر حتى يومنا هذا: الرغبة في التسامي فوق العادي، في تجاوز حدود الجسد والزمن، والرغبة العميقة المتوازية في الانتماء إليه، في العودة إلى الدفء، في أن تكون جزءًا من حياة بسيطة ومحدودة. نحن نريد أن نكون مميزين، ونريد أن نكون محبوبين. نريد أن نُذكر، ونريد أن نعود. نريد أن نكتب أسماءنا على الصخر، ونريد أن نسمعها تُنادى بها في البيت. وكثيرًا ما نضيع بين الاثنين، بين السعي إلى المجد والسعي إلى الحب، بين الهروب إلى الأمام والعودة إلى الخلف.

أخيل، في قرارته الأخيرة، اختار أن يجعل حياته ذات معنى من خلال ما سيبقى منه بعد موته. اختار أن يكون فعله أكبر من عمره، أن تكون ذكراه أقوى من رماده. وأوديسيوس، في قراراته كلها، اختار أن يجعل معنى حياته مرتبطًا بالعودة إليها، بالعيش فيها رغم فنائها، بالتمسك بكل تفاصيلها الصغيرة رغم أنها ستنتهي.

أراد الأول أن ينتصر على الموت بأن يصير اسمًا، أن يتحول إلى كلمةٍ تتردّد على الألسنة، إلى فعلٍ يُحكى عنه، إلى أسطورةٍ لا تشيخ. وأراد الثاني أن ينتصر على الضياع بأن يصير نفسه مجددًا، بأن يستعيد هويته بعد أن كادت تتبخر، بأن يعود إلى منزله، إلى سريره، إلى كلبه، إلى كل ما يذكره بأنه كان إنسانًا قبل أن يكون بطلاً.

لكن كليهما، بطريقة أو بأخرى، كان مخطئًا ومصيبًا في آن. لا أحد ينتصر على الموت نصرًا مطلقًا، فالموت أقوى من كل الأسماء، ومن كل الذكريات، ومن كل الأساطير. ولا أحد يعود إلى نفسه كما كان بالضبط، فالزمن يحفر في الروح ما لا تزيله المياه، والتجارب تغيّر الإنسان من الداخل، والسفر يترك ندوبًا لا تلتئم.

الذي يبقى، في النهاية، ليس الجسد الذي يتحلل، ولا البيت الذي ينهار، ولا حتى الاسم الذي قد يُمحى مع مرور الأيام والذي قد تنساه الأجيال القادمة. الذي يبقى، الذي يعبر نهر الزمن ولا يغرق، الذي يصل إلى كل الأزمان، هو الحكاية. الحكاية التي تروى، والكلمة التي تُقال، والسؤال الذي يظل مفتوحًا في روح كل من يسمعها.

ولذلك، في رسالته، لم يمنح هوميروس أخيل الخلود الجسدي الذي كان يتمناه سرًّا، ولا أوديسيوس العودة السالمة التي حلم بها كل هذه السنين. منحهما شيئًا ثالثًا، شيئًا لم يعرفاه ولم يطلباه، وهو أعظم مما طلبا: أن يتحولا إلى أسئلة لا تموت. أخيل لم يعد مجرد بطل، بل صار سؤالاً عن ثمن الخلود، عن قيمة المجد، عن معنى أن تموت من أجل أن تُذكر. وأوديسيوس لم يعد مجرد مسافر، بل صار سؤالاً عن معنى العودة، عن قيمة البيت، عن إمكانية استعادة الذات بعد الضياع.

أدرك هوميروس، ذلك الرجل الذي عاش قبل خمسة وعشرين قرنًا، ما لم يدركه الكثيرون بعده: أن الإنسان لا يغلب الموت ولا يرد الضياع، لكنه يستطيع أن يحمل هذا الاثنين في حكاية تُروى، في كلمةٍ تنتقل من جيلٍ إلى جيل، في سؤالٍ يظل يطرق الأبواب. الحكاية هي السفينة التي تعبر بها الأرواح نهر الفناء ولا تغرق، هي الجسر بين من ماتوا ومن سيأتون، هي الطريقة الوحيدة التي جعلنا بها نعرف أخيل وأوديسيوس، وطريقتنا الوحيدة لأن نعرف نحن أنفسنا.

ومنذ ذلك الحين، منذ أن دوّن هوميروس هذه الحكايات، كلما خاف إنسان من أن يُنسى ويُمحى أثره، كان أخيل يفتح عينيه في مكان ما من روحه، كان الغضب القديم يتجدد في صدره، وكان السؤال يعود: كيف أجعل اسمي يبقى؟ وكلما وقف غريب على طريق طويل، وسأل نفسه في لحظة تعب: أين أنتمي؟ إلى أين أعود؟ هل ما زال هناك مكان لي في هذا العالم؟ كان أوديسيوس يبحر من جديد في دمه، كانت الرحلة العتيقة تعود، وكان الحنين إلى البيت يشتعل في قلبه.

لعله لم يروِ لنا هوميروس عن أخيل وأوديسيوس فقط، عن رجلين عاشا في زمنٍ سحيق في بلادٍ بعيدة. لعله كان يروي لنا عنا نحن، عن كل إنسان يحمل في صدره هذا التمزق القديم. عن ذلك الذي يصرخ في أعماق كل منا: “اذكروني! لا تنسوني! اجعلوا اسمي لا يموت!”، وعن ذاك الذي يهمس في لحظات الوحدة: “دعوني أعود، دعوني أجد طريقي إلى البيت، إلى نفسي، إلى كل ما فقدته في الطريق”. وما بين الصرخة التي تطلب الخلود والهمس الذي يطلب العودة، يُكتب عمر الإنسان، ويُصنع معناه، وتُحاك حكايته التي ستبقى بعده.

فأيُّ الوجهين نختار؟ أم أننا، في لحظات صفائنا العميقة، نعرف أننا نحتاجهما معًا، أن الحياة لا تكتمل دون اسمٍ يُذكر ودون بيتٍ نعود إليه، دون مجدٍ يليق بنا ودون حبٍّ يدفئنا، دون أثرٍ نتركه في العالم ودون مكانٍ نكون فيه أنفسنا بصدق، دون ألقاب، ودون دروع، ودون أساطير؟

لعل الإجابة، كما فهمها هوميروس قبل آلاف السنين، ليست في أن نختار، بل في أن نجمع، في أن تكون حياتنا حكاية تبدأ بالغضب وتنتهي بالعودة، تبدأ بالسؤال عن الموت وتنتهي بالسؤال عن الحياة، تبدأ بالصرخة وتنتهي بالهمس، وتستمر، في كل الأحوال، لأنها حكاية إنسانية، ولأن الإنسان، في جوهره، هو ذلك الكائن الذي لا يكتفي بأن يعيش، بل يريد أن يُروى، أن يُذكر، أن يعود، أن يبقى، أن يحب، وأن يُحب، قبل أن يغيب في النسيان الذي ينتظرنا جميعًا.

في ذكرى أخيل، الذي علمنا أن الموت قد يكون ولادة. وفي ذكرى أوديسيوس، الذي علمنا أن العودة قد تكون أصعب من الرحيل. وفي ذكرى هوميروس، الذي جمع بينهما في حكايةٍ واحدة، لأننا، في النهاية، لسنا سوى حكايةٍ نحاول أن نحكيها لأنفسنا قبل أن تنتهي.

_________________________

االآراء الواردة في النص، تمثل وجهة نظر الكاتب فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى